فصل: زهد طلق بن حبيب:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة صفوان حين أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاه هل كان مسلما أم لا:

في صفوان حين أعطاه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما أعطاه، هل كان مسلما أم لا؟ وسئل مالك: عن صفوان حين أعطاه النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ ما أعطاه، أكان مسلما أو مشركا؟ قال: ما سمعت فيه شيئا ولا أراه إلا مشركا، لقد قال: لرب من قريش خير من رب من هوازن. وما هذا بكلام مسلم، وكان من أشدهم قولا حين قال صفوان: لقد أكرم الله أمية حين لم ير هذا الأسود فوق الكعبة، قال أبو سفيان بن حرب: أما أنا فلا أقول شيئا، إن تكلمت بلغته هذه الحصباء، وقال رجل من آل خالد بن أسيد: ما أحد لهذا الأسود؟ يريد بلالا، قال: وكان سهيل بن عمرو من أشدهم قولا، قال لهم: يا قوم دعوا هذا، فإن كان من الله أمضاه الله.
قال محمد بن رشد: قوله حين أعطاه النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ ما أعطاه يريد من غنائم حنين، وذلك أنه أعطى منها عطايا وافرة لأشراف قريش وغيرهم من المؤلفة قلوبهم، فأعطى منها لصفوان بن أمية مائة بعير، وكذلك أعطى لعيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة بعير، وكانوا أشرافا فأعطاهم يتألفهم ويتألف قومهم بهم، وكذلك أعطى لجماعة سواهم من المؤلفة قلوبهم مائة بعير، منهم أبو سفيان بن حرب، وابنه معاوية، والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو.
وقول صفوان لرب من قريش خير من رب هوازن الذي استدل به مالك على أنه لم يكن يومئذ مسلما، قاله يوم حنين، وذلك أنه حمل المشركون على المسلمين حملة رجل واحد، فجال المسلمون جولة ثم ولوا مدبرين، فمر رجل من قريش بصفوان بن أمية، فقال: أبشر بهزيمة محمد وأصحابه، فوالله لا يجبرونها أبدا، فقال له صفوان: أتبشرني بظهور الأعراب؟ فوالله لرب من قريش أحب إلي من رب من هوازن، وكان صفوان قد هرب من مكة يوم الفتح ثم رجع إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فشهد معه حنينا والطائف وهو كافر، وامرأته مسلمة، أسلمت يوم الفتح قبل صفوان بشهر، ثم أسلم صفوان، فَقُرَّا على نكاحهما، وكان من أشراف قريش في الجاهلية، وهو أحد المؤلفة قلوبهم وممن حسن إسلامه منهم.
والمؤلفة قلوبهم قوم من صناديد مضر كان النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ يعطيهم من الزكاة أيضا يتألفهم على الإسلام ليسلم بإسلامهم من وراءهم؛ لأن الله تعالى جعل لهم فيها سهما، وقد مضى الكلام على هذا في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم من كتاب زكاة العين، وبالله التوفيق.

.مسألة سن عبد الله بن عمر:

في سن عبد الله بن عمر وحكاية عن سعيد بن المسيب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال مالك: سنو عبد الله بن عمر سبع وثمانون سنة، قال مالك: بلغني أن سعيد بن المسيب لما حبس بعث إليه أهله بخبز ولحم، فقال سعيد: لا أذوقه، أرأيت الأقراص الأربعة التي كنت آكلهن فابعثوا بهن إلي، قال: وكان معهم رجل في الحبس يبعث إليه أهله الألوان من الطعام، فقال له سعيد: أرأيت ما تريد أن تبرح من هذا الموضع.
قال محمد بن رشد: المعنى فيما فعله سعيد بن المسيب من تركه لأكل ما أرسل إليه من الخبز واللحم هو أنه أراد ترك التنعم في السجن بشيء من الطعام ليكون أجره في السجن موفورا، وكان سجنه والله أعلم، أما إذ دعاه جابر بن الأسود الزهري عامل المدينة إلى بيعة ابن الزبير فأبى أن يبايع له حتى يجتمع الناس عليه، فضربه ستين سوطا، وإما إذ دعا عبد الملك بن مروان الناس إلى البيعة للوليد بعده ثم سليمان بعد الوليد، فبايعوا وكتب إلى هشام بن إسماعيل المخزومي أن يأخذ لهما بيعة الناس بالمدينة ففعل، وبايع الناس لهما إلا سعيد بن المسبب فإنه أبى، وقال: لا أبايع وعبد الملك حي، فضربه هشام ضربا مبرحا وألبسه ثياب شعر وسرحه إلى ثنية بالمدينة، كانوا يقتلون ويصلبون عندها، فظن سعيد أنهم يريدون قتله، فلما انتهوا به إلى ذلك الموضع ردوه وبلغ عبد الملك خبره، فقال: قبح الله هشاما فيما فعل، لكان أخرج إلى صلة وجهه من أن يضربه، فإنا لنعلم أن ابن المسيب ما عنده شقاق ولا خلاف، وبالله التوفيق.

.مسألة ما كان عليه عمررضي الله عنه من التفقد لأحوال رعيته:

فيما كان عليه عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ من التفقد لأحوال رعيته قول مالك: إن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مر بحمار عليه لبن فوضع عنه طوبتين، قال: فأتت سيدته عمر فقالت: يا عمر، ما لك ولحماري إنك عليه سلطان؟ قال: فما يقعدني في هذا الموضع؟
وسئل مالك: عن حديث عمر بن الخطاب حين ذكر رقيق الحوائط إذ كان يخرج إليهم فيخفف عن ثقلهم ويزيد في رزق من أقل له، أكان ذلك في رقيق الناس؟ قال: نعم وغيرهم من الأحرار من عمل ما لا يطيق، فقلت له: فإن الولاة عندنا يوكلون الشرط، فمن مر به بحمل ثقيل من جمل أو بغل أن يخففوا عنه، قال: أرى أن قد أصابوا.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين؛ لأن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ قال: «كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته...» الحديث، وقد قال عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لهذا الحديث وما كان في معناه: لو مات جمل بشط الفرات ضياعا لخشيت أن يسألني الله عنه.

.مسألة ما عفا الله عنه فلم يذكره بتحليل ولا تحريم:

فيما عفا الله عنه فلم يذكره بتحليل ولا تحريم قال مالك: سمعت من أرضى به يأثره عن غيره: إن الله تبارك وتعالى أحل حلالا وحرم حراما وأشياء عفا عنها الله فدعوها.
قال محمد بن رشد: هذا يدل على أنه لا يستباح إلا ما أباحه الله تعالى، وأن المسكوت عنه محظور، وقد قيل: إن المسكوت عنه مباح، وإلى هذا ذهب أبو الفرج.
وجه القول الأول من طريق النظر: أنه قد ثبت أن الأشياء ملك مالك، والأصل أنه لا يستباح ملك أحد إلا بإذنه.
ووجه القول الثاني: أن خلق الله له دليل على الإباحة؛ إذ يقول: {لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} [الأنعام: 145]، فوجب أن يكون ما عدا هذا مما لم يثبت فيه عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ نهي مباحا، وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة تفسير الراسخين في العلم:

في تفسير الراسخين في العلم وسئل مالك: عن تفسير: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7]، قال: العالمون العاملون بما علموا المتبعون له.
قال محمد بن رشد: قول مالك في الراسخ في العلم: إنه العالم العامل بما علم المتبع له، معناه: أنه العالم المتحقق بما علم العالم العامل به المتبع له- هو معنى ما روي من «أن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ، سئل: مَنِ الراسخ في العلم؟ فقال: من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام به قلبه، وعف بطنه، فذلك الراسخ في العلم»، ويشهد بصحة هذا قول الله عز وجل: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] لأنه كلام يدل على أنه من لم يخش الله فليس بعالم.
وقد اختلف في قوله عز وجل: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7].
فقالت طائفة: إن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابهات، والكلام يتم عند قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7]، أي: والراسخون في العلم يعلمون تأويله، ويقولون مع العلم بتأويله: آمنا به.
وقالت طائفة: المتشابهات مما استأثر الله بعلمها، فلا يعلم تأويلها إلا الله، والكلام يتم عند قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ} [آل عمران: 7]، ثم يحسن الوقف، ثم يبدأ القارئ: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [آل عمران: 7]، وهذا هو نص قول مالك في رسم البيوع الأول من سماع أشهب بعد هذا.
وقد اختلف في المتشابهات التي عناها الله بقوله: {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7]، ما هي؟ فقيل: إن المتشابهات من القرآن منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به. وقيل: إنه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، وذلك نحو الخبر عن وقت نزول عيسى ابن مريم، وطلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدنيا، وما أشبه ذلك مما لا يعلم أحد إلا الله تعالى، وكذلك الحروف المقطعة مثل الم والمص وما أشبه ذلك، فعلى هذين القولين لا يعلم تأويل المتشابهات إلا الله.
وأما من قال في المتشابهات: إنها المشكلات من الأحكام التي لا نص فيها في الكتاب وإنما جاءت فيه مجملة غير مفسرة ولا مبينة، فالراسخون في العلم يعلمون تأويلها بما نصب الله لهم من الأدلة على معرفتها، وبينه لهم النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ منها؛ لأن الله عز وجل يقول: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38]، والمعنى في ذلك: أنه عز وجل نص على بعض الأحكام وأحال على الأدلة في سائرها، وأما المحكم فهو البين الذي لم ينسخ وبالله التوفيق.

.مسألة حكم أرض العنوة:

في حكم أرض العنوة قال مالك: وبلغني أن بلالا كلم عمر بن الخطاب في هذا المال في الشام في قسمه، وكان من أشد الناس عليه كلاما فزعم من ذكر أن عمر دعا عليهم، فقال: اللهم اكفنيهم، قال مالك: وبلغني أنه ما حال الحول وواحد منهم حي، قال ابن القاسم: وإنما كان بلال وأصحابه سألوا عمر أن يقسم الأرض التي أخذت عنوة بين الناس فأبى ذلك عليهم عمر، قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك أنه قال: ليس من الشأن قسم الأرض، ولكن تترك لحالها، قال مالك: وكل ما افتتح بعد عمر من العنوة فالشأن فيها أن تترك كما فعل عمر، قال لي سحنون: وحدثنا ابن القاسم عن ابن كنانة أنه كان يقول ذلك، قال سحنون: وأخبرني به ابن نافع عن مالك.
قال محمد بن رشد: ثبت أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمس أرض خيبر وقسمها بن الموجفين عليها بالسواء، وأن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أبقى سواد العراق ومصر وما ظهر عليه من الشام؛ ليكون ذلك في أعطية المقاتلة وأرزاق المسلمين ومنافعهم.
فقيل: إنه استطاب أنفس المفتتحين لها، فمن سمح بترك حقه منها أعطاه فيه الثمن، فعلى هذا لا يخرج فعله عما فعله النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ في أرض خيبر، وإلى هذا ذهب بعض أهل العراق وقال: إن أقر أهلها فيها لعمارتها كانت ملكا لهم بدليل ما روي أن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وضع الخراج على بياضها وسوادها؛ إذ لو كانت للمسلمين لكان وضع الخراج على سوادها بيعا للثمرة قبل أن تخلق.
وقيل: إنه أبقاها بغير شيء أعطا الموجفين عليها، وإنه تأول في ذلك قول الله عز وجل في آية الحشر: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} [الحشر: 10] الآية، وإلى هذا ذهب مالك رَحِمَهُ اللَّهُ وجميع أصحابه خلافا للشافعي في قوله: إنها تقسم كما فعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أرض خيبر.
وقد اختلف على هذا في آية الفيء وآية الغنيمة التي في سورة الأنفال، فقيل: إنهما محكمتان على سبيل التخيير في أرض العنوة بين أن تقسم كما فعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أرض خيبر مبينا لآية الأنفال أنها على عمومها، وبين أن تبقى كما أبقاها عمر بدليل آية الحشر، وإلى هذا ذهب أبو عبيد، وهو قول أكثر الكوفيين: إن الإمام مخير بين أن يقسمها كما فعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أرض خيبر وبين أن يبقيها كما فعل عمر في سواد العراق.
وقيل: إن آية الحشر ناسخة لآية الأنفال؛ لأن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ بين بفعله في أرض خيبر أنها على عمومها في جميع الغنائم من الأرض وغيرها، وإلى هذا ذهب إسماعيل القاضي.
وقيل: إن آية الحشر مخصصة لآية الأنفال ومفسرة لها، ومبينة أن المراد بها ما عدا الأرض من المغانم، وأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما قسم أرض خيبر؛ لأن الله وعدها أهل بيعة الرضوان، فقال: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ} [الفتح: 20] فهي مخصوصة بهذا الحكم دون سائر الأرضين المغنومة.
وإذا أبقى الإمام أرض العنوة وأقر فيها أهلها لعمارتها ضربت عليهم الجزية على ما فرض عمر وسوقوا في السواد، ووضع عليهم الخراج في البياض بقدر اجتهاد الإمام، وهو وجه قول مالك في المدونة: لا علم لي بجزية الأرض وأرى أن يجتهد الإمام في ذلك ومن حضره إن لم يجد علما يشفيه، أي إن لم يثبت عنده مقدار ما وضع عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عليها من الخراج؛ لأنه إنما توقف في مقدار ذلك، وقيل: إنه إنما توقف هل عليها خراج أم لا خراج عليها وتترك لهم يستطيعون بها على أداء الجزية دون خراج؟.مسألة ما ذكر في بلال:

فيما ذكر في بلال قال مالك: بلغني أن بلالا ذكر له أن عمر بن الخطاب غضب غضبا شديدا، فقال: لو كنت عنده لم أزل أقرأ عليه القرآن حتى يسكن، قال مالك: بلغني أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لبلال: «إني رأيت أني دخلت الجنة، وأني سمعت خشفا أمامي. فقلت: من هذا؟ فقيل لي: بلال»، فزعم أن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ لما ذكر له ذلك بكى.
قال محمد بن رشد: إنما قال بلال: لو كنت عند عمر حين غضب لقرأت عليه القرآن حتى يسكن؛ لعلمه أنه كان وقافا عند كتاب الله، فأراد والله أعلم أنه كان يقرأ عليه من القرآن ما يعظه في غضبه، مثل قوله عز وجل: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37]، ومثل قوله: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134]، ومثل قوله: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]، وما أشبه ذلك من المواعظ في الغضب، وفي رؤية النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ لبلال في الجنة شهادة له بها؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي، وبكاؤه حين أعلمه بما رآه له كان شوقا إلى الجنة، والله أعلم.

.مسألة متى وقعت غزوة تبوك:

في أن غزوة تبوك كانت بعد الفتح قال مالك: كانت غزوة تبوك بعد الفتح.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على ما قاله؛ لأن الفتح كان في رمضان سنة ثمان، وكانت غزوة تبوك بعد ذلك في رجب من سنة تسع، وهى آخر غزوة غزاها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد مضى قبل هذا ذكر هذا، وبالله التوفيق.

.مسألة رغبة عمر في فعل الخير:

في رغبة عمر في فعل الخير قال مالك: قال عمر بن الخطاب: أتراني لو حملت سمراء الشام إلى الجار أيأخذونها مني؟ ثم فقالوا: نعم.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أيأخذونها في الجار فأكون قد أحسنت إليهم في ذلك وكفيتهم مؤنة نقلها، فقالوا: نعم، وبالله التوفيق.

.مسألة قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة:

في قدوم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم المدينة قال مالك: لما أن قدم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة نزل قباء فسمع به غلام من اليهود وهو على نخلة يجني رطبا ومعه قفة له، فتركها، ثم نزل حتى أتاه فرآه ثم رجع، فقالت له أمه: تركت متاعك وخرجت إلى هذا الرجل كأنك خرجت إلى موسى؟ قال: هو أخوه، قالت أمه: أفتتبعه؟ قال: لا والله لا أتبعه أبدا.
قال محمد بن رشد: قد ذكره أصحاب السير أن أول من رآه حين قدم المدينة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجل من اليهود، وكان قدومه على ما ذكر يوم الإثنين حين استوت الشمس لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول، فنزل بقباء، وقد قيل غير ذلك، وكان أكثر أهل المدينة قد خرجوا ينظرون إليه، فلما ارتفع النهار وقلصت الضلال واشتد الحر يئسوا منه فانصرفوا، فكان أول من رآه هذا الرجل من اليهود. وهو في نخل له، فصاح بأعلى صوته يا بني قيلة، هذا جدكم قد جاء يعني حظكم، فخرجوا وتلقوه ودخل معهم المدينة فنزل على سعيد بن خيثمة، وقيل: على كلثوم بن الهرم، ونزل أبو بكر على حبيب بن إساف، وقيل: على خارجة بن زيد، وكلاهما من بني الحارث ابن الخزرج.
وكان من شأن هذا اليهودي الذي رأى النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ أول من رآه مع أمه ما ذكره في الحكاية من قوله: إنه أخو موسى يريد في النبوة، وقسمه أنه لا يتبعه؛ لأن اليهود قد كانوا عرفوا أنه نبي بنعت الله لهم إياه في التوراة، لكنهم كفروا به لأنهم كانوا يرجون أن يكون منهم، فلما كان من غيرهم حسدوه فكفروا به، قال الله عز وجل: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89] وبالله التوفيق.

.مسألة قتل أمية بن خلف:

في قتل أمية بن خلف قال مالك: أسر عبد الرحمن بن عوف أمية بن خلف وأراد به الفداء، فرآه بلال، فقال: لا نجوت إن نجا، فحرض عليه فقتله ابنا عفراء.
قال محمد بن رشد: كان أمية بن خلف ممن تولى كبر بلال بالعذاب بمكة على الإسلام، ولذلك حرض على قتله حتى قتله. وقد حكى ابن عبد البر في كتابه الصحابة أن بلالا قتله حسب ما ذكرناه قبل هذا، فقد يحتمل أن يكون قتله إليه من أجل أنه كان سببه بتحريضه على ذلك، والله أعلم.

.مسألة تواضع أهل الشرف في الإسلام:

في تواضع أهل الشرف في الإسلام قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب قال لأبي سفيان بن حرب: احمل علي هذا الحجر، فحمله، فحمد الله عز وجل عمر على ذلك، فقال: ما لك؟ كأنه أراد بذلك اختباره لقدر أبي سفيان في الجاهلية.
قال مالك: ضرب عمر بن الخطاب ابنه عبيد الله في مشية رآه يمشيها فعاتبته أمه في ذلك فقال: إنه يجد في نفسه.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين؛ لأن التواضع محمود والكبرياء مذموم، قال النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا» وبالله التوفيق.

.مسألة تمني علي درجة عمر في الخير:

في تمني علي درجة عمر في الخير قال مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لما سجَّى على عمر بن الخطاب قال علي بن أبي طالب: ما تحت الخضراء ولا فوق الغبراء أحد كنت أحب أن ألقى الله بصحيفته غير هذا المسجى على سريره، وتكلم بذلك علي وعمر مسجى عليه في سريره.
قال محمد بن رشد: في هذا تفضيل علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لعمر على عثمان، وهو الذي عليه أهل السنة.
والحق أن أفضل الصحابة: أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وقد روي هذا عن مالك، وروي عنه أيضا الوقوف عن تفضيل بعضهم على بعض، وروي عنه أيضا تفضيل أبي بكر على عمر والوقوف عن المفاضلة بين علي وعثمان، والأول هو الذي يعتمد عليه من مذهبه والله أعلم.

.مسألة الفتيا لمن لم يطلب:

في كراهية الفتيا لمن لم يطلب العلم حق طلبه قال: وسمعت مالكا يقول: قال ابن هرمز ما طلبت هذا الأمر حق طلبه إذ استفتي، قال مالك: وهذا يفتي ولا يعلم ولم يتعلم ولم يطلب هذا الأمر حق طلبه، ولم يطلب هذا الأمر ممن يعرفه، فأنكر على مثل هؤلاء أن يفتوا.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين؛ لأن ما يتعين على المعنى من الاجتهاد في الأحكام التي لا نص فيها في الكتاب ولا في السنة ولا فيما اجتمعت عليه الأمة يفتقر إلى القياس برد الفرع إلى الأصل بالمعنى الجامع بينهما، ووضع الأدلة في ذلك مواضعها، وذلك يخشى التقصير فيه ممن طلب الأمر حق طلبه فكيف بمن لم يطلبه حق طلبه وبالله التوفيق.

.مسألة فضل حكيم بن حزام رضي الله عنه:

في فضل حكيم بن حزام رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
قال مالك: بلغني أن حكيم بن حزام أخرج ما كان أعطاه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المؤلفة، فتصدق بذلك بعد ذلك.
قال محمد بن رشد: قد قيل في حكيم بن حزام: إنه لم يكن من المؤلفة قلوبهم؛ فإن كان منهم على ما في هذه الحكاية فهو من الفضلاء منهم، وكفى بعنوان فضله تصدقه بما أعطاه النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ في جملة المؤلفة قلوبهم، والمؤلفة قلوبهم قد حسن بعد ذلك إسلامهم حاشى عيينة بن حصن، فلم يزل مغمورا عليه، وأما سائرهم فيتفاضلون في الخير، منهم الخير الفاضل المجتمع على فضله كحكيم بن حزام، والحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، ومنهم دون ذلك في الفضل، وقد فضل الله النبيين وسائر عباده المؤمنين بعضهم على بعض وبالله تعالى التوفيق.
تم الجزء الرابع من الجامع يتلوه إن شاء الله الكتاب الخامس.

.كتاب الجامع الخامس:

.زهد طلق بن حبيب:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
كتاب الجامع الخامس ومن كتاب طلق بن حبيب حكاية عنه قال مالك: بلغني أن طلق بن حبيب، جلس إليه رجل ومعه الناس فدعا فذكر، فلما أراد أن يقوم قال: إنكم لن تستبقوا من أنفسكم باقيا، وإنكم لم تلوذوا من الدنيا بمنيع، وإن مجلسكم هذا آخر مجلس تجلسون من الدنيا، وكذلك الدنيا حتى تنقضي المجالس.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا أنه جلس للناس يعظهم ويذكرهم، فكان من آخر قوله لهم حين أراد أن يقوم: إنكم لن تستبقوا من أنفسكم باقيا، وإنكم لم تلوذوا من الدنيا بمنيع يريد أنهم أتعبوا أنفسهم في طلب الدنيا، واستنفذوا جهدهم في ذلك ولم يحصلوا منها على طائل.
وأما قوله: وإن مجلسكم هذا آخر مجلس تجلسون من الدنيا، فالمعنى في ذلك عندي والله أعلم أنه كره لنفسه جلوسهم إليه ليعظهم ويذكرهم، وعزم ألا يعود إلى ذلك، فقال لهم: إن هذا المجلس آخر مجلس تجلسون فيه إلي، وكذلك أمور الدنيا كلها إلى انقراض وتمام، وبالله التوفيق.

.مسألة الشرط يبعثون في الأمر يكون بين الناس بجعل في أموالهم:

في الشرط يبعثون في الأمر يكون بين الناس بجعل في أموالهم قال مالك: كان زياد بن عبيد الله يبعث شرطا في الأمر يكون بين الناس في المناهل ويجعل لهم في أموالهم جعلا فنهيته عن ذلك وقلت: إنما هذا على السلطان يرزقهم، فقيل له: فإن أمير المؤمنين جعل لمن ولي عليهم شركا معهم فيما اشتروا، قال: ما أشرت به ولا أمرته بذلك، ثم قال: إن هناك أمورا يخاف منها ما يخاف، وفسر فيها تفسيرا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن الواجب أن يجعل للشرط المتصرفين بين أيدي القضاة في أمور الأحكام رزق من بيت المال؛ لأن ذلك من المنافع التي تعم الناس، فإن لم يفعل كان جعل الغلام المتصرف بين الخصمين على الطالب في إحضار خصمه المطلوب، إلا أن يلد المطلوب ويختفي ويغيب تعنتا بالطالب فيكون الجعل في إحضاره عليه.
وأما أن يجعل لمن ولي على أهل السوق شركا معهم فيما اشتروا فالمكروه فيه بين، وذلك أنه إذا كان له معهم شرك فيما اشتروا سامحهم في الفساد لما له فيه من النصيب، وقال هاهنا: فإن أمير المؤمنين، وقال في كتاب السلطان: فإن صاحب السوق وهو الصحيح والله أعلم.

.مسألة التحدث عن بني إسرائيل:

في التحدث عن بني إسرائيل وسئل مالك عما ذكر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»، قال: لم أسمع به من ثبت، فأما ما كان من كلام حسن فلا بأس.
قال محمد بن رشد: ذكر الطحاوي هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، وقال: إن معنى قوله: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» أي ولا حرج في ترك الحديث عنهم، فأباح أن يتحدث عنهم؛ إرادة أن يعلموا ما كان فيهم من العجائب؛ لأن الأنبياء كانت تسوسهم كلما مات نبي قام نبي ليتعظوا بذلك، ورفع الحرج عنهم في ترك التحدث بخلاف التحدث عنهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه أخذ الميثاق عليهم في التبليغ عنه، فقال: «بلغوا عني ولو آية»، وتأويله خلاف تأويل مالك له في هذه الرواية؛ لأن الظاهر من قوله أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أباح التحدث عنهم بما يذكر أنه كان فيهم من العجائب وإن لم يأت ذلك بنقل العدل من العدل إذا كان من الكلام الذي لا يدفعه العقل؛ إذ ليس تحته حكم فيلزم التثبت في رواته وبالله التوفيق.